سهيلة عبد الباعث الترجمان

272

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

مشاركة العبودية في مرتبتها ، ولا يحق للمطلق أن ينزل إلى مرتبة المقيد ، وبهذا يتميز الوجود عن الموجود بما تفرّد به عن غيره . وأعلى المراتب هي المرتبة الإلهية ، لا يدانيها مرتبة في الموجودات ، وهي على ما هي عليه من العلم الإلهي ، وليست خارجة عنه بشكل من الأشكال ، فالمرتبة إذن عبارة عن حقيقة كل شيء لا من حيث تجردها بل من حيث معقولية نسبتها الجامعة بينها وبين الوجود المظهر لها والحقائق التابعة لها . ويشير ابن عربي إلى تلك المرتبة بقوله : " إن العالم ما ظهر إلا على ما هو عليه في العلم الإلهي ، وما هو في العلم الإلهي لا يتبدل ، فالمرتبة الإلهية تنفي بذاتها التقييد عنها ، والقوابل تنفي الإطلاق عنها بالوقوع ، فعلمت سبب الحيرة في الوجود ما هو ، قال تعالى : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ « 1 » أي ما حكم به العلم وسبق به الكتاب ، فعرفنا ذلك من العلم والكتاب إذ كان لهما الحكم . . . فمرجع الكون للعلم والكتاب ، فتنتج الأهواء مع إطلاقها ما تنتجها العقول مع تقييدها . . . وما ثم أعلى من الحق رتبة . . . " « 2 » . وليس وجود الموجودات عن الحق وجودا بالصدفة ، إنما هو وجود معلوم لدى الحق ، فقد وجد في علمه تعالى قبل إيجاده ، أي في عالم الغيب ، وكما حدد تعالى لكل موجود في العلم الإلهي مرتبته التي سيوجد عليها في عالم الشهادة . ولهذا فالنظام الكوني ليس موجودا عن عبث بل عن حكمة إلهية أوجدته على الصورة المعلومة لدى الحق . ويطلعنا ابن عربي على أهمية المراتب هذه بالنسبة للموجودات فيقول : " إن اللّه تعالى قد عين لكل موجود مرتبة في علمه ، فمن الموجودات من خلقت في مراتبها ولم تبرح ، فلم يكن لها بداية ولا نهاية بل يقال : وجدت ، فإن البدء ما يعقل حقيقته إلا بظهور ما يكون بعده ، مما ينتقل إليه ، وهذا ما انتقل ، فعين بدئه وهو عين وجوده لا غير . ومن الموجودات ما كان وجودها أولا في مراتبها ثم أنزل بها إلى عالم طبيعتها وهي الأجسام المولدة من العناصر لا كلها ، بل أجسام الثقلين " « 3 » .

--> ( 1 ) سورة ق ، الآية : 29 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 480 . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 332 .